Wednesday, September 4, 2019

أبواب الظل يوم القيامة وسبل الظفر بها

تمهيد:

هي سبعة أبواب للظل، وليست سبعة أشخاص، بيّنها لنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كسبيل للخلاص والنجاة من وهج الشمس وحرها يوم القيامة، الذي يقدر بخمسين ألف سنة، كما قال تعالى: “تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فاصبر صبرا جميلا، إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا، يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن، ولا يسأل حميم حميما”[1]. وهو يوم تدنو الشمس فيه من الخلائق وتقترب من رؤوسهم، قال تعالى: “يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد”[2] فالأرض مختلفة[3]، وكذا السماوات والشمس. فالشمس ليست كشمس الدنيا، والزمن ليس كزمن الدنيا، وأحوال الآخرة مختلفة تماما، والقوانين والنواميس الإلهية في الدنيا لا تنطبق على قوانين الدار الآخرة. تلك حقائق قرآنية أخبرنا بها الله عز وجل في كتابه العزيز، كما أخبرتنا بها السنة النبوية كما في قوله صلى الله عليه وسلم: “تدنى الشمس من الخلق حتى تكون منهم بمقدار ميل فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق. فمنهم من يكون العرق إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، “قال: وأشار رسول صلى الله عليه وسلم إلى فيه”[4].

فما أسعد الذي ينجو، ويستظل بظل الله في هذا اليوم، ويشعر بالأمان من الفزع والحر؛ حيث لا أمان إلا أمانه، ولا ظل إلا ظله، ولا ملك إلا ملكه، قال القاضي عياض: “إضافة الظل إلى الله إضافة ملك، وكله ظله وهو ملكه.”[5]

 

فضل حديث الظل:

عن أبي هريره رضي الله عنه قال: ” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عباده الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته إمراه ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه.”[6].

ووردت في فضل هذا الحديث أقوال كثيرة: قال ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد: “هذا أحسن حديث يروى في فضائل الأعمال، وأعمها وأوضحها إن شاء الله، وحسبك به فضلا أن العلم أحيط بأن كل من كان في ظل الله يوم القيامة لم ينله هول الموقف.”.

ولفضل هذا الحديث وأهمية العظمى، أفرد له العلماء تآليف وشروح لتقريب معانيه للناس حتى تتبين لهم أبواب الاستظلال يوم القيامة فيقبلوا عليها ممتثلين لأوامر الله العزيز الغفار.

أبواب الظل التي وردت في الحديث:

الباب الأول: العدل في الإمامة والحكم والقضاء وكل مسؤولية وليها المسلم أو المسلمة، وكان فيها العدل الذي لا يتحقق إلا نادرا من طرف المسؤولين، فإن جزاءه الأوفى هو أن يستظل صاحبه بظل الله يوم القيامة.

قال ابن حجر في كتابه معرفة الخصال الموصلة إلى الظل: “وأحسن ما فسر به، الإمام العادل: أنه الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط، وقدمه في الذكر لعموم النفع به…. والمراد بالإمام العادل في هذا الحديث: هو صاحب الولاية العظمى ويلحق به كل من ولي شيئا من أمور المسلمين فعدل فيه “.

وقد أمر الله تعالى بالعدل في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان …”[7]، وقوله تعالى: “يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله”[8]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمان عز وجل وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا.”[9].

وأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، قال: صلى الله عليه وسلم: “ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله عز وجل مغلولا يوم القيامة”.

الباب الثاني: العبادة في فترة الشباب: وخص الشاب أو الشابة بالظل لغلبة الشهوة والهوى وثوران الغرائز في هذه المرحلة العمرية، خاصة في زماننا الذي كثرت فيه الفتن والمغريات وكثر فيه المروق عن الدين، والطاعنون فيه؛ فمن لازم العبادة إبان شبابه، واعتصم بحبل الله، فهو في ظل الله سبحانه وتعالى.

الباب الثالث: تعلق القلب بالمساجد: فمن تعلق قلبه ببيوت الله عز وجل وأحب الصلاة فيها وحضر إلى حلق العلم والذكر فيها يظله الله تحت عرشه. عن أبي هريرة رضي عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: “من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزله من الجنة كما غدا أو راح”[10].

الباب الرابع: رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وافترقا عليه، لم تجمعهما مصالح دنيوية صرفه، بل أحبوا بعضهم بعضا في الله، فاستحقا الظل يوم القيامة، أو امرأتان تحابتا في الله، فتشملهما جائزة الظل يوم القيامة.

الباب الخامس: التزام العفة، فمن دعته امرأة ذات مال وجمال ومنصب؛ فمنعه خوفه من الله من تلبية رغبتها، وقال معاذ الله، كما فعل يوسف عليه السلام حتى قال: “ربّ السجن أحب إليّ مما يدعوني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين”. فياله من امتحان صعب! لا ينجح فيه إلا الصابر الخائف من الله، خصوصا وقد اجتمعت فيها كل ما يغري النفس من جمال ومال ومنصب، فيكون الجزاء عظيما: ظل الله يوم القيامة. وكذلك المرأة إذا دعاها رجل ذا منصب ومال، فقالت: إني أخاف الله، يشملها نفس الجزاء.

الباب السادس: باب الصدقة: الرجل أو المرأة اللذين يتصدقان متجنبين المن والأذى، ويخفيان صدقتهما خوفا من السمعة والرياء حتى لا تعلم شمالهما ما تصدقت به يمينهما، فيكون ظل الله يوم القيامة من نصيبهما. قال تعالى: “إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتوتوها الفقراء فهو خير لكم”[11].

الباب السابع: باب الخشية والتفكر في عظمة الله: المؤمن والمؤمنة اللذين يحرصان على الخلو بنفسهما للعبادة والتفكر، وذكر الله، واستحضار جلاله وعظمته حتى تخشع قلوبهما وتدمع أعينهما، يكافئهما المولى عز وجل باستحقاق ظله يوم القيامة، جزاء إخلاصهما وخشيتهما وتجردهما في الذكر والعبادة.

ما الجامع بين هذه الخصال حتى استحق أصحابها تلك المكانة العظيمة عند الله؟

يظهر أن هؤلاء السبعة يشتركون في مجاهدة النفس، والخوف من الله تعالى.  قال ابن رجب رحمه الله: “هذه السبعة اختلفت أعمالهم في الصورة وجمعها معنى واحد وهو مجاهدتهم لأنفسهم ومخالفتهم لأهوائها، وذلك يحتاج أولا إلى رياضة شديدة وصبر على الامتناع مما يدعو إليه داعي الشهوة أو الغضب أو الطمع، وفي تجشم ذلك مشقة شديدة على النفس ويحصل لها به تألم عظيم، فإن القلب يكاد يحترق من حر نار الشهوة أو الغضب عند هيجناها إذا لم يظفر ببلوغ من ذلك فلا جرم كان ثواب الصبر على ذلك …” [12]الظل يوم القيامة.      

خاتمة:

هذا بإيجاز بيان فضل هؤلاء السبعة الذين وصلوا إلى درجة الكمال التي ذكرت في الأبواب السبعة أو الخصال السبعة.

وقد ذكر العلماء أبوابا أخرى للظل، منهم ابن حجر – رحمه الله – حيث ذكر سبعة انتقاها من الأحاديث الجيدة السند حسب قوله: ثم تتبعت الأحاديث الواردة في مثل ذلك،  فزادت على عشر خصال وقد انتقيت منها سبعة وردت بأسانيد جياد،  ونظمتها في بيتين تذيلا على بيتي أبي شامة وهما:

وزد سبعة:

إظلال غاز وعونه وإنظار ذي عسر وتخفيف حِمْلِه *** وإرداف ذي غرم وعون مكاتب وتاجر صدق في المقال وفعله.

…. ثم تتبعت ذلك فجمعة سبعة أخرى ونظمتها في بيتين أخرين وهما:

وزد سبعة: حزن ومشي لمسجد وكره ووضوء ثم مطعم فضله *** وأخذ حق باذل ثم كافل وتاجر صادق في المقال وفعله.

[1] سورة المعارج / 4.

[2]  سورة إبراهيم / 48-49.

[3]  جاء في الصحيحين من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي، ليس فيها معلم لأحد، أرض بيضاء كالفضة نقية، لم يسفك فيها دم ولم تعمل عليها خطيئة، ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، حفاة عراة كما خلقوا”، قال: أراه قال: قياما حتى يلجمهم العرق.

[4]  رواه مسلم.

[5]  سنن النسائي، شرح جلال الدين السيوطي وحاشية السندي، دار الكتب العلمية، بيروت، ج4.

[6]  متفق عليه. أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين، وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، حديث: 103، وأخرجه الترمذي في كتاب الزهد، باب: الحب في الله، حديث: 2391.

[7]  سورة النحل / الآية 90. 

[8]  سورة ص / الآية 26.

[9]  أخرجه الإمام مسلم.

[10]  أخرجه البخاري ومسلم.

[11]  سورة البقرة / الآية 270.

[12]  فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب الحديث 660 كتاب الآذان ص 46 دار ابن الجوزي.

The post أبواب الظل يوم القيامة وسبل الظفر بها appeared first on منار الإسلام.



from منار الإسلام https://ift.tt/2Ussc0e
via IFTTT

التصوف: عموم الإصطلاح و خصوصية الممارسة (2)

المحور الرابع: التصوف بين الفلسفة و الشريعة
تختلف الرؤى حول نسب أصل التصوف كفعل و عمل وممارسة، و ليس كمصطلح، ولعل الأحكام التي يصدرها كل باحث أو دارس، أو حتى المتخصص في هذا الصدد تكون بشكل كبير صادرة من الناحية التي ينظر إليها، و متأثرة بشعوره و إحساساته نحوها. وهنا نقف عند نقطة مهمة مرتبطة بمهمة المؤرخ على غرار أصحاب باقي التخصصات، حيث يتوجب عليه في مثل هذه المواضيع التي تتداخل فيها العديد من العلوم المرتبطة بالإنسان (العلوم الإنسانية)، إلزامية اقتحام علوم أخرى مختلفة لتحقيق غاية فهم ظاهرة من الظواهر الاجتماعية كالتصوف. فالتصوف ليس شأنا دينيا محضا، و لا هي موضوعا للتأريخ للتاريخ، بل هي زيادة عن هذا ظاهرة اجتماعية أنثروبولوجية، تهم الإنسان و المجتمع، و للإحاطة بها ينبغي للدارس أو الباحث أن لا يهمل أي زاوية مهما بدت ليست ذات علاقة تركيبية بالتصوف.
و بالعودة للتصوف، و مسألة هل هو فعل وممارسة ذات أصل فلسفي؟ أم أنه وليد الإسلام ؟ سنجد العديد من الباحثين ينسبونه إلى ما قبل الإسلام.
نأخذ في البداية “دي لاسي أوريلي” الذي تحدث عنه خالد زاهر في مقاله “التصوف قراءة في الاصطلاح والتنظير”، الذي يقول أن التصوف الإسلامي يعود في تاريخه إلى حين ترجمة أثولوجيا أرسطو إلى العربية. كما يعتبر أن التصوف نشأ نتيجة للمؤثرات الهللينية، إلى حد ما، فكان له تأثيره الفعال في الفلاسفة أيام ابن سينا و بعده، كما أنه تأثر بالفلسفة اليونانية التي نقلت عن طريق السريانية و الفارسية إلى العربية في العصر العباسي. وكذلك تأثير “يونيسيوس” في التصوف برسائله الأربعة. و أنها كانت المصدر الرئيسي للاهوت التصوفي المسيحي قبل الإسلام، و هو يوحي بذلك إلى تأثر التصوف الإسلامي بالتصوف المسيحي كما يظهر جليا من تحليلاته و مقارباته، و بالتالي فهذه النظرية تقصد النفي المطلق لعلاقة أصول التعاليم الصوفية بالأصول الإسلامية .
و في نفس السياق نجد “الطوسي” ينقل عن صاحب كتاب “أخبار مكة” محمد ابن إسحاق بن يسار و غيره في حديث : <<أنه قبل الإسلام دخل مكة في وقت من الأوقات ، حتى كان لا يطوف بالبيت أحد ، وكان يجيء من بلد بعيد رجل صوفي فيطوف بالبيت و ينصرف>>. ثم يعلق على هذا الحديث بقوله ، فإن صح ذلك فإنه يدل على أنه قبل الإسلام كان يعرف هذا الاسم وكان ينسب إليه أهل الفضل و الصلاح. لكن هذه الرواية يمكن أن تفسر على نحو آخر، فكلمة صوفي ربما تعود لأصلها اليوناني و تعني حكمة، و هذا التفسير أقرب للمنطق رغم أنه يتلاشى إذا ما قررنا أن الرواية تفتقر إلى السند الذي يوجب صحتها.
ويرد محمد عابد الجابري التصوف في كتابه “أصول التصوف الإسلامي” إلى أصول هرمسية حيث تحدث عن أبي حامد الغزالي وهو أشهر الشخصيات الصوفية، لقب بحجة الإسلام، فقد نشأ في بيئة كثرت فيها الآراء و المذاهب مثل علم الكلام و الفلسفة و التصوف. يقول “الجابري” عن الغزالي أنه تبنى النظرة الهرمسية في مراتب الوجود و عرضها في عدة كتب و بصياغات مختلفة. مما يؤكد توغل الغزالي –بزعمه- في أعماق الهرمسية، و هو يؤسس لأزمة في العقل العربي. كما حاول إبراز العديد من المقابلات في بعض المصطلحات التي تتشابه مع كل من الأفلاطونية المحدثة، و الفلسفة الدينية الهرمسية.
فكان قوله أن الغزالي تبنى في تصوفه الفلسفة الهرمسية بجميع أطروحاتها الأساسية.
فكل من “دي لاسي أوريلي” و “عابد الجابري” -كما نلاحظ- يعتبران أن المسلمين ارتبطوا في تصوفهم بالرهبان المسيحيين أو بحصيلة الفلسفة الأفلاطونية أو غيرها من المؤثرات. أو أن أصل التصوف الإسلامي ربما فهم على أنه أخذ منهجا مخالفا للشرع، حتى تداخلت طريقتهم مع الفلسفات القديمة كما حدث مع الغزالي .
لكن رغم هذا التشابه الذي رصده الجابري وغيره، إلا أن التصوف الإسلامي مختلف عن الفلسفي، و يتقاطع معه في أبرز سماته، و هي المنبع الذي يستمد كل منهما أصوله و يحدد مساره و يرسم غايته. فالتصوف الإسلامي يستمد أصوله من القرآن و السنة و سيرة الصحابة، أما الفلسفي فذوا أصول مختلفة وثنية و غيرها، وشتان ما بين المنبعين.
المحور الخامس: وظائف التصوف الاجتماعية
لإعطاء التجربة الصوفية مكانتها كتجربة إنسانية، لابد من الوقوف عند وظيفتها، أو بمعنى أدق دورها التاريخي و الاجتماعي الذي لعبته في صياغة البنية الذهنية الجماعية للمسلمين بصفة عامة. و لرصد ذلك نحتاج إلى البحث عن البعد المعرفي و الآليات التي شغلت التصوف من الداخل، وهذه المسألة ظلت شبه مغيبة في معظم الدراسات. و إذا ما عدنا لأهمها نجد أن الدراسات الإستشراقية تشكل الكم الأكبر لما تقدمه من وفرة للمادة التاريخية. رغم أنها في حد ذاتها تبقى دراسات بعيدة عن تقديم صورة حقيقية و دقيقة لظاهرة التصوف في بعدها الديني و الاجتماعي.
فالتصوف بشكل عام من وجهة نظر سوسيولوجية يعبر عن مجتمع مخصوص، يتميز بعلاقات اجتماعية خاصة، تحكمها قواعد التصوف الملزم به، و يركز رواد هذا الاتجاه على تبيان أثر التصوف في السلوك الاجتماعي من جهة، و اكتشاف الضرورات الاجتماعية الملجئة إلى الانخراط في السلوك الصوفي و رجاله من جهة أخرى. وهو جهد و إن كان بمقدوره تفصيل القول في التفاعل الاجتماعي مع المضامين الصوفية، إلا أنه دون فهم التصوف من حيث كونه ظاهرة تربوية تمازج الروح، و تطهر آثارها على الفرد في تصرفاته الاجتماعية مع جميع الناس فضلا عن أقاربه.
فالحديث عن وظائف التصوف داخل المجتمع، لا يمكن أن نرصدها بإعطاء دور معين و إسقاطه على جميع النماذج الصوفية في كل الفترات التاريخية، لكن لكل تجربة صوفية خصائص تميزها عن غيرها، تبرز لنا الأدوار التي قدمتها داخل المجتمع تحت ظرفيات تاريخية معينة. فمثلا “الشيخ العربي الدرقاوي” حاول من خلال رسائله أن يضع أسس رؤية إصلاحية شاملة، لها منهجها و غاياتها القريبة و البعيدة المدى، استثمر فيها الارث الصوفي في أرقى مراميه، معتبرا الظرفية التاريخية و الاجتماعية التي كان يمر منها المجتمع.
وهنا يمكن أن نطرح سؤال جوهري، لماذا اختيار التصوف كمنظومة للإصلاح الاجتماعي؟ و الجواب هو أن النظرة التي سلطها هذا التصور الصوفي على المجتمع، كانت تنبني على إصلاح معين للنهوض بالمجتمع، هذا الإصلاح يعتمد بالأساس على التصوف الذي هو تربية للروح و الجوارح، فإذا به ينحصر في الطقوس و العادات، ويصبح سببا مباشرا إما في تردي الوعي الاجتماعي و الديني و الخلقي أو العكس.
فالصوفية ترى أن صلاح المجتمع لا يتحقق إلا بصلاح الفرد، و صلاح الفرد لن يتحقق على نحو سليم و جدري دون سلوك طريق التربية الروحية و اختراق ما راكمته عوائد الحس و نوازعه، حتى تطلب القيم لذاتها وتحرر النفس من كل أشكال الاستلاب الاجتماعي و الفكري. وصفاء العلاقات الاجتماعية لا يمكن أن يتحقق إلا بصفاء النفس من عللها ودوام مراقبتها و تربيتها، فكانت تربية الأفراد أكبر المهام و أدقها في نظر مجموعة من الطرق الصوفية. كالقادرية التي كان شيخهم “عبد القادر الجيلاني” يرمي من خلال دروسه و مواعظه و توجيهاته، إلى إصلاح النفس الإنسانية و القلوب المتعطشة إلى إدراك المعرفة، و الصفاء الروحي، و التغلب على الأرضية المادية، التي تهوي بالإنسان إلى مهاوي الردى.
ليس هذا فقط فقد بلور المتصوفة في فترات مختلفة أنساقا خاصة في سلوكيات معينة تتماشى و الظرفية التاريخية ، فمثلا نجد بعض الشيوخ يربون مريديهم على حكمة الجوع كما يسمونها للتأقلم مع فترات الجفاف و الجوع التي كانت تحصد الكثير من الناس (في الجوع غداء للروح وفيه الخشوع و الخضوع). و قد نجد ما يدعم هذا الطرح بشكل واف في بعض الكتب التاريخية التي تناولت موضوع المجاعات، و خاصة رواد التاريخ الإجتماعي، حيث أكدت على أن أقل الناس تأثرا بفترات المجاعة التي كانت تصيب المغاربة هم أتباع الزوايا المختلفة، لاعتيادهم على التقلل الدائم في الأكل و الشرب، و تعود أجسادهم على الجوع.
المحور السادس : الكرامات: غيب و تكسب
ارتبطت الكرامة عند الصوفية ارتباطا وثيقا بالزهد و الصلاح و الولاية، بل اعتبرت شرطا أساسيا للترقي في مدارج الإحسان، و مراتب الولاية، و يعتبر المؤرخ المغربي : “ابراهيم القادري بوتشيش” أن الكرامة الصوفية ظلت قطاعا منسيا، و مهملا من لدن الباحثين في حقل التاريخ، على اعتبار أنها مجرد عطاء فكري، و سلوكي وثيق الارتباط بقوى غيبية، بينما هي في الواقع نتاج اجتماعي، و إفراز لشروط تاريخية و انعكاسات لإكراهات سوسيولوجية، و تجل لواقع يزخر بالتناقضات. فبالإضافة إلى ما كان يشكله المتصوفة من تأثير على العامة من أفراد المجتمع المغربي، – و هو تأثير مادي بالخصوص، كان أشد ما يظهر في وقت الأزمات الاجتماعية، خاصة في فترات القحط و المجاعة، عبر توزيع الإعانات و المساعدات، على الناس في وقت هم في أشد الحاجة إليها، مع ما يخلفه هذا التعامل من حضور إيجابي لديهم، يزيد من رصيد المتصوفة المعنوي، رغم أن هذه الإعانات في حقيقة الأمر كما يذكر الأستاذ “محمد حبيدة” في كتابه “المغرب النباتي”، هي ما كان يقدمه العامة للزوايا و أهل الصلاح من هدايا أو “زيارات” تبركا و تضرعا لولي الله و طلبا لبركته، في إطار دورة معينة، أو قاعدة “مرحلة مقابل مرحلة”، خاصة في أوقات “الصابة” أي عندما يكون المحصول الزراعي جيدا، – فهناك عامل آخر أقوى في التأثير على الذهنية المغربية، و هو التأثير الغيبي، أي الممارسات الخارقة للعادة، أو باصطلاح المتصوفة: خرق حجب العادة، أو ما يصطلح عليه بالكرامات، تلك الخاصية التي يستفرد بها المتصوفة، و هي دون المعجزة، لكنها من جنسها و قريبة منها، فالمعجزة للأنبياء، و الكرامة لأهل الصلاح من الأولياء، فالكرامة بهذا المفهوم محاكاة للنبوة، فكل ما كان معجزة لنبي يجوز أن يكون كرامة لولي، فالنبوة هي المثال، و الولاية هي صورة أو نسخة لتلك النبوة، و النبي مثال الولي، و كذلك معجزاته تجد في كرامات الأولياء صورا لها.
و قد قسم “ابن عطاء الله السكندري” الكرامة الصوفية إلى قسمين: كرامة حسية، و كرامة معنوية، فالكرامة الحسية هي كل ما هو موجود محسوس على أرض الواقع: كقطع مسافة معينة في مدة قصيرة، أو سماع خطاب من هاتف، أو إتيانا بثمرة من غير إبانها، أو حصول ماء في زمن عطش، أو صبرا عن الغذاء لمدة تخرج عن العادة…أما الكرامة المعنوية فهي معرفة الله، و دوام الخشية له، و دوام المراقبة له، و المسارعة لامتثال أوامره و نواهيه،
و يذكر “عبد الله التليدي” في كتابه “المطرب بمشاهير أولياء المغرب” أن “محيي الدين بن عربي” يشير إلى أن الجوارح قد تكون لها كرامات، إذا ما تم تسخير هذه الجوارح فيما يرضي الله، بالتفاني في طاعة أوامره، و اجتناب نواهيه، فكرامات العين تتمثل في رؤية الزائر قبل قدومه على مسافة بعيدة، و خلف حجاب كثيف، و رؤية الكعبة عند الصلاة حتى يتوجه إليها، بالإضافة إلى مشاهدة العالم الملكوتي الروحاني، من الملائكة و الملأ الأعلى و الجن، و غيرهم… أما كرامات الأذن فتتجلى في إثبات البشرى للولي بأنه من أهل الهداية..، بالإضافة إلى سماعها لنطق الجمادات، أما اللسان فمن كراماته: النطق بالكون قبل أن يكون، و الإخبار بالمغيبات و الكائنات قبل حصول أعيانها في الوجود… و نفس الشيء ينطبق على باقي الجوارح.
و لن نقف طويلا عند أنواع الكرامات فهي كثيرة، و متنوعة، و متداولة بشكل يجعل تكرار التعريف بها غير ذي إضافة مهمة، غير أننا سنقتبس ختاما لهذا المحور، بعضا من حوار يحكيه الصوفي المعروف: “محيي الدين بن عربي” في كتابه “الفتوحات المكية”، -و هو أحد أقطاب الصوفية الكبار- جرى بينه و بين “ابن رشد” الفيلسوف الأندلسي المعروف، بحيث يمكن أن يضيف هذا الحوار القصير إلى المفهوم معان أخرى، خاصة عندما يتعلق الأمر بهرمين كبيرين كل في مجاله:
“..دخلت يوما بقرطبة على قاضيها أبي الوليد بن رشد، وكان يرغب في لقائي لما سمع، وبلغه ما فتح الله به علي في خلوتي، فكان يظهر التعجب مما يسمع.. فعندما دخلت عليه قام من مكانه إلي محبة وإعظاما، فعانقني وقال لي: نعم. قلت له : نعم. فزاد فرحه بي لفهمي عنه. ثم إني استشعرت بما أفرحه من ذلك، قلت: لا. فانقبض وتغير لونه، وشك فيما عنده، وقال : كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي؟ هل هو ما أعطاها لنا النظر؟ قلت له : نعم لا، وبين «نعم » و «لا» تطير الأرواح من موادها، والأعناق من أجسادها. فاصفر وجهه..، وقعد يحوقل، وعرف ما أشرت به إليه … وطلب بعد ذلك الاجتماع بنا ليعرض ما عنده علينا هل هو يوافق أو يخالف، فإنه كان من أرباب الفكر والنظر العقلي..”
ختاما يمكن التأكيد على أن موضوع التصوف لا يزال يحتفظ بالكثير من راهنيته في هذا العصر، بالنظر إلى الزخم المتجدد الذي يتمتع به كموضوع يلامس عمق المجتمع من خلال الفرد، و بغض النظر عن الإختلافات البنيوية العميقة حول توحيد المفهوم، أو تثبيت المعنى، أو تأصيل الشرعية، فإن التصوف إن تم التجاوز الإيجابي عن ماهيته، و التركيز على نبل رسالته، و تثمين تأثيره المباشر على علاقات الفرد بالمجتمع، قد يصبح ضرورة ملحة لمعالجة الكثير من الإشكالات الإجتماعية التربوية، بالنظر إلى ما يعرفه العالم من توترات همت الفرد قبل المجتمع، و قد يكون الإجتهاد في هذا الموضوع الحساس حلا للعديد من المشاكل ذات الطابع المجتمعي.


قائمة البيبليوغرافيا :
1. المصادر.
 ابن الجوزي، عبد الرحمان بن علي، “تلبيس ابليس”، ط دار القلم، بيروت، لبنان، (1403)
 ابن القيم، أبي عبد الله محمد، “طريق الهجرتين و باب السعادتين”، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، (1429)
 ابن تيمية، “الصوفية و الفقراء”، دار المدني، جدة، (2009)
 ابن خلدون، محمد بن عبد الرحمان، “المقدمة”، المكتبة العصرية، بيروت، (2005)
 ابن عربي، محيي الدين، “لفتوحات المكية”، ط1
 التليدي، عبد الله بن عبد القادر،المطرب بمشاهير أولياء المغرب، دار الأمان، الرباط، ط 4
 الحسني، ابن عجيبة، “الفتوحات الإلهية”، عالم الفكر، القاهرة
 داود محمد، تاريخ تطوان، مطبعة كريماديس، تطوان، 1959، ج3
 زروق، أحمد بن أحمد البرنسي، “قواعد التصوف”، دار البيروتي، سوريا، (2004)
 السهروردي، شهاب الدين أبي حفص عمر،”عوارف المعارف”، دار المعارف، القاهرة، (2000)
 الغزالي، أبي حامد محمد، “المنقذ من الضلال”، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، (2003)
2. المراجع.
 أبو بكر القادري، الشيخ عبد القادر الجيلاني ودوره في الدعوة الإسلامية في أنحاء العالمين الأسيوي و الإفريقي، مطبعة النجاح الجديدة
 حبيدة، محمد، “المغرب النباتي”،منشورات ملتقى الطرق، الدار البيضاء، (2018)
 زاهر خالد، التصوف المغربي مصدر إشعاع و تواصل، منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل، 2015
 شغموم الميلودي: المتخيل و القدسي في التصوف الإسلامي الحكاية و البركة. منشورات المجلس البلدي بمدينة مكناس، مطبعة فضالة المحمدية، ط 1: 1991
 القادري، بوتشيش ابراهيم، “الإسلام السري في المغرب العربي”، سينا للنشر، ط 1، 1995
 الكتاني نور الهدى، “الأدب الصوفي في المغرب و الأندلس في عهد الموحدين”، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1
 كعب سعاد، التصوف المغربي، منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل، 2015
 ممدوح الحربي، الصوفية و طرقها، شبكة مسلمات
 Renè brunel , le monachisme errant dans l’ islam : sidi HIDI haddawa, limages(France),1955 .

The post التصوف: عموم الإصطلاح و خصوصية الممارسة (2) appeared first on منار الإسلام.



from منار الإسلام https://ift.tt/34iIZYl
via IFTTT

التصوف: عموم الإصطلاح و خصوصية الممارسة (2)


via منار الإسلام https://ift.tt/34iIZYl

فقه الموت

كتب الحق عز وجل الفناء على كل شيء وتفرد سبحانه بالبقاء والدوام، وقضى الله عز وجل أن يكون الموت هو الكأس الذي يذوق منه كل مخلوق، وهو الباب الفاصل بين الدارين دار الفناء ودار الخلود، قال تعالى : “كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام” وقال عز من قائل: ” كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون ” وأكد سبحانه هذه الحقيقة بقوله عز وجل: كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون”

أراد الوحي الكريم أن يؤسس للموت باعتباره شأنا مركزيا في عقيدة الإنسان المسلم وفي فلسفة حياته اليومية، أراد القرآن الكريم ـ وكذا فعلت السنة النبوية ـ أن تتغير نظرة الناس للموت باعتباره هو النهاية والفناء وأن لا حياة بعده ترجى ولا بعث ولا نشر وهو ما نقله على لسانهم قول ربنا عز وجل ” أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون “

كان المجتمع الإسلامي الأول في الصحبة المباركة لرسول الله صل الله عليه مدركا لحقيقة الموت متبصرا ومتفقها في حكمه وأسراره، وكان النبي صل الله عليه وسلم دائم التذكير بهادم اللذات تارة بالترهيب من شدة سكرة الموت وعذاب القبر وسؤال الملكين…، وبالترغيب في لقاء الله عز وجل والشوق إليه وما عنده سبحانه من خير وفضل وكرم وإتحاف يتحف به أحبابه ساعة حضور الأجل وبعده.

عن بنت الحارثة بن النعمان، قالت: ما حفظت: ق ـ إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخطب بها كل جمعة[1] ، كانت النبي الكريم صل الله عليه وسلم يتخلل صحابته الكرام بذكر الموت والآخرة  حتى تترسخ في النفوس همة الاستعداد وطلب وجه الله، وحتى لا تكون الفجعة بالموت والفجأة به..

هذا التذكير النبوي الدائم بالموت وبما بعد الموت لم يكن مقتصرا على أسلوب الترهيب والتخويف من هذا القدر المحتوم والسنة الماضية، بل كان صل الله عليه مبشرا للمؤمنين بما أعده الله عز وجل لهم حال ارتحالهم من الدنيا وما بعده والكرامة التي يكرم الله بها أحبابه في لحظات النزع.

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال النبي صل الله عليه وسلم: ” الموت تحفة المؤمن “[2]

وعن السبط الحسين رضي الله عنه أن النبي صل الله عليه وسلم قال: ” الموت ريحانة المؤمن “[3]

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صل الله عليه وسلم قال: ” الموت غنيمة المؤمن “[4]

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال النبي صل الله عليه وسلم: ” إن الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن، وإنما مثل المؤمن حين تخرج نفسه كمثل رجل كان في سجن فأخرج منه، فجعل يتقلب في الأرض ويتفسح فيها”[5]

كان منهج رسول الله صل الله عليه وسلم منهجا وسطيا كاملا جامعا لفقه الموت وفلسفته ومعناه، كان يهيئ القلوب الوافدة على الإسلام للقاء الله عز وجل والشوق إلى إليه، وفي الوقت ذاته يحملهم هذا التشويق على تأدية مستلزمات الاستخلاف الأرضي المؤقت بما هو قنطرة مؤدية للنعيم الأخروي الخالد.

تعاقبت قرون على الأمة انحصر فيه الحديث عن الموت وفقهه وعن الآخرة، واتخذ التأليف في هذا الموضوع ـ على قلته ـ شكلا من التخويف والتنفير من الموت وما بعده، فعجّت الكتب بالحديث عن القبر وأهواله وشدة السكرات وهول طلعة منكر ونكير وغيرها من الأمور التي هي في حقيقتها دين من الدين والإيمان بها عقيدة ندين بها، غير أنها غلبت على تصور المسلمين للموت وطبعت تعاملهم معه بمنطق التوجس والخوف والنفور والاستبعاد…

والحق أن المنهج النبوي الشريف في اعتداله ووسطيته كان المنهج الأقوم في فهم حقيقة الموت وتفهيمها لنفوس المؤمنين وقلوبهم، فإذا كان خبر أهوال الموت وما يكابده الإنسان حال النزع من شدائد، وما جاء من أخبار في عذاب القبر وأهواله موجبا لليقظة والتنبه والزهد في الدنيا والإقلاع عن الذنوب والاثام بالنسبة للعصاة، فإن البشريات الواردة في حال السعداء عند فراق الدنيا خير محفز للمؤمنين أحباب رسول الله صل الله عليه وسلم ليكون الشوق للقاء الله عز وجل ديدنهم وشغلهم الدائم.

قال النبي صل الله عليه وسلم: إن مثل المؤمن في الدنيا كمثل الجنين في بطن أمه إذا خرج من بطنها بكى على مخرجه حتى إذا رأى الضوء ووضع له لم يحب أن يرجع إلى مكانه.[6]

في الحديث تشبيه لطيف لحال المؤمن في الدنيا كالطفل في بطن أمه يرتاب ويخاف ويضطرب حين خروجه منه إلى العالم الخارجي، حتى إذا تلمس ضياء عالمه الجديد واتساع أفقه سكن واطمئن وكذا حال المؤمن حين خروجه من الدنيا يكره مفارقة الأحبة والمؤلوفات ويستكره الموت، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته،[7] حتى إذا بدا له من لطائف كرم الله اطمئن وفرح بلقاء ربه.

يعد الإمام السيوطي رحمه الله من العلماء القلائل الذين نقلوا الحديث عن الموت من الإطار الغالب في كتابات المسلمين إلى التجديد في فقه معنى الموت وخبر الآخر، وقد ترك رحمه الله للأمة كتابا لطيف المبنى والمبنى مبهج العنوان سماه: بشرى الكئيب بلقاء الحبيب جرد فيه من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وآثار الصالحين ما يدلل على إكرام الله عز وجل لعباده المؤمنين في حال انتقال إلى الدار الآخرة، وما يتحفهم به الله من منن وعطاء جزاء ما قدموا في الحياة الدنيا، يقول الإمام السيوطي رحمه الله في سبب تأليفه لهذا الكتاب: ألفته في أحوال البرزخ، قصرته على البشرى بما يلقاه المؤمن عند موته وفي قبره من التكريم والترحيب.[8]

من العلماء المتأخرين في تاريخ الذين أبدعوا إلى حد كبير في فهم حقيقة الموت وتقريبها للناس نجد الأديب الألمعي مصطفى صادق الرافعي رحمه الله الذي ربط الموت وتدبر معناه والاستعداد المستمر له مقدمة من مقدمات سعادة الإنسان في الحياة، يقول رحمه الله في هذا المعنى: إن الذي يعيش مترقبا للنهاية يعيش معدا لها، فإن كان معدا لها عاش راضيا بها، فإن عاش راضيا بها كان عمره في حاضر مستمر كأنه ساعة واحدة يشهد أولها ويحس آخرها، فلا يستطيع الزمن أن ينغص عليه ما دام ينقاد معه وينسجم فيه، غير محاول في الليل أن يبعد الصبح ولا في الصبح أن يبعد الليل.[9]

جعل صادق الرافعي الذكر الدائم للموت والاستعداد له محصلا للرضا الكامل للقدر والتسليم له، فيحصل بهذا الرضا والانقياد والانسجام إقبال على ما هو مطلوب لهذا الإنسان في فسحة العمر فيتحقق معنى الحياة في معنى الموت والعكس.

ويزيد رحمه الله في تأكيد هذا المعنى بقوله: من عرف حقيقة الحياة عرف أنه فيها ليهيء لنفسه ما يحسن أن يأخذه، ويعد للناس ما يحسن أن يتركه…، ينتزع من الزمن ليل الميت ونهاره، فيذهب اسمه عن شخصه ويبقى على أعماله.[10]

هذا المعنى الذي ذكره الأديب اللبيب الرافعي رحمه الله يشير إليه ويؤكده الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله بنَفس جهادي تجديدي فيقول: من شأن ذكر الموت في حياة أهل الإيمان أن يهونَ عليهم الموت ما داموا ساعين في العمل الصالح وفي رضى الله. يُصبح الاستشهاد في سبيل الله مطلبا غاليا، ويكون الجُهد والجهاد في سبيل الله بذلا مقصودا، لا تصرفهم الصوارف ولا تمنعهم الموانع عن الفاعلية الكبيرة في الدنيا. أما الباكون المتباكون من خوف الموت، المتماوتون في الدنيا خمولا ويأسا فقوم آخرون بل وباء وطاعون.[11]

الذكر الدائم للموت حياة للقلوب المتنورة بالإيمان ، لا يكون الخوف من الموت الذي يسيطر على العقل المادي مثبطا عن العمل الصالح والسعي الحضاري تكثيفا للجهد وإعدادا فاعلا لنهضة الأمة بعيد عن اليأس والخوف والتماوت.

الموت في عقيدة المؤمنين الصادقين المحسنين نقلة من ضيق إلى سعة من سجن إلى حرية ، الموت كما يجب أن يصوره دعاة المسلمين ووعاظهم : الموت عند العارفين المحسنين الأولياء راحة، لأنها تخففهم من كثافة الجسم الترابي، فيُصبح لقاء الله أقرب، يسبحون في الروحانية حتى يبعثهم الله ويبعث من في القبور في أجسام الخلود التي بها يتنعم من يتنعم وفيها يعذب من يعذب[12]

  1رواه مسلم وغيره

 [2] رواه الطبراني

 [3] أخرجه الدليمي

  [4] أخرجه الديلمي

 [5] أخرجه ابن المبارك في كتاب الزهد

  [6] أخرجه ابن أبي الدنيا مرسلا  

 [7] رواه البخاري في صحيحه

 [8] السيوطي، بشرى الكئيب بلقاء الحبيب ، ص 24

 [9] مصطفى  صادق الرافعي ـ وحي القلم ـ ج1 ، ص51

 [10] مصطفى صادق الرافعي ــ كلمة وكليمة ـ ص 75 76

 [11] عبد السلام ياسين ـ الإحسان ـ ج1 ، ص 275

 [12] نفس المصدر ـ ص73

The post فقه الموت appeared first on منار الإسلام.



from منار الإسلام https://ift.tt/2PJ3lqw
via IFTTT

فقه الموت


via منار الإسلام https://ift.tt/2PJ3lqw

وقفات مع السنة الهجرية


via منار الإسلام https://ift.tt/2ZK5YI3

وقفات مع السنة الهجرية

بسم الله الرحمن الرحيم

و الصلاة و السلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد و على آله

        تحل بنا في كل وقت من هذه السنة ذكرى السنة الهجرية [1]معلنة انصرام عام  و حاملة معها اوراق العباد الى يوم الحساب . و مقربة للعبد إلى يوم رحيله . إنها مناسبة  تحتم علينا التوقف معها وقفات متعدد بتعدد دلالاتها و معانيها .

         الوقفة الأولى : يا ابن آدم  ، إنما أنت أيام …

        إن السنة الهجرية هي العمر الذي يتآكل بالسنوات  شيئا فيشا  و انت لا تشعر بذلك ، كما قال الحسن البصري رحمه الله : “يا ابن آدم, إنما أنت أيام, إذا ذهب يوم ذهب بعضك“.  تولد صغيرا فيسلمك  الليل الى  النهار و يسلمك النهار الى الليل و و تسلمك سنة الى أخرى  و تسلمك الدنيا إلى الآخرة نحو مصيرك المحتوم … و هكذا تتعاقب فيك الأيام حتى ينتهي أجلك . فطوبى لمن كانت أيامه سِمانا بالطاعات ،  و يا حسرة و  يا ندامة لن كانت أيامه و لياليه عجافا . فماذا قدمنا فيها و ماذا ضيعنا ، فالعمر يمضي و ما مضى منه لن يعود أبدا. يقول عز من قائل : ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ .[2]

  و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه : ” اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك. “[3]  قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ”  اِرتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة ، ولكل واحدة منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا،  فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل[4], و هيهات أن يجتمع في القلب حبان ، حب الدنيا و حب الآخرة.



       الوقفة  الثانية : حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا

             السنة الهجرية  مناسبة عظيمة لمحاسبة النفس و  مطالعة الرصيد ،  و ليعرف الواحد منا الربح من الخسارة  قبل فوات الأوان ، ماذا قدم و ماذا أخر .  فإن رأى خيرا حمد الله و شكره و ثبت مكتسباته ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم[5] ،   و إن رأى غير ذلك تاب و استغفر . لذلك الكلمة الرائعة التي قالها سيدنا عمر رضي الله عنه: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم وسيتخطى غيركم إليكم، فخذوا حذركم” .          و عَنْ أبي يَعْلَى شَدَّادِ بْن أَوْسٍ  عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: الكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِما بَعْدَ الْموْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَواهَا، وتمَنَّى عَلَى اللَّهِ الأماني ” .[6]  

        و لا يخرج عمل المرء عن دوائر ستة : الأولى ، على دائرة الفرد و خلاصه ،﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا[7]. و الثانية ، دائرة الأسرة ، قال سبحانه ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ[8]. أما الثالثة ، فدائرة المجتمع  ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ [9]. و الرابعة ، دائرة الأمة ، و التهمم بقضاياها و نصرتها ، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ، فعن النعمان بن بشير رضي الله عن قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى” [10] . و الخامسة ، دائرة الانسانية ، فالناس إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق ، و  عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  ” أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس  ، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم[11]. أما الدائرة الأخيرة ، فعموم المخلوقات ، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا:  ” بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به” [12].

هي دوائر تتفاوت تتفاوت نسبها من فرد إلى آخر لتكشل مجموعا.

            

الوقفة  الثالثة : لا هجرة بعد الفتح ، و لكن جهاد نية …

           بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة إلى يثرب، لم يتبق في مكة إلا عدد قليل من المسلمين لم يهاجروا لمرضهم وكبر سنهم.
وكان من بين هؤلاء الصحابة الذين حبسهم المرض وكبر السن الصحابي الجليل: ضمرة بن جندب[13] رضي الله عنه لم يستطع أن يتحمل مشقة السفر وحرارة الصحراء فظل في مكة مرغمًا.
ولكنه رضي الله عنه لم يتحمل البقاء بين ظهراني المشركين، فقرر أن يتحامل على نفسه ويتجاهل مرضه وسنه.

       وبالفعل خرج ضمرة بن جندب رحمه الله، وتوجه إلى يثرب، وأثناء سيره في الطريق اشتد عليه المرض، فأدرك أنه الموت، وأنه لن يستطيع الوصول، فوقف رحمه الله وضرب كفًّا على كفٍّ، وقال وهو يضرب الكف الأولى: اللهم هذه بيعتي لك ،ثم قال وهو يضرب الثانية:  وهذه بيعتي لنبيك،
ثم سقط ميتًا  . فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بما حدث لضمرة، ثم نزل قول الله تعالى: ﴿ ‘ ﻭَﻣَﻦ ﻳَﺨْﺮُﺝْ ﻣِﻦ ﺑَﻴْﺘِﻪِ ﻣُﻬَﺎﺟِﺮًﺍ ﺇِﻟَﻰ ﺍﻟﻠّﻪِ ﻭَﺭَﺳُﻮﻟِﻪِ ﺛُﻢَّ ﻳُﺪْﺭِﻛْﻪُ ﺍﻟْﻤَﻮْﺕُ ﻓَﻘَﺪْ ﻭَﻗَﻊَ ﺃَﺟْﺮُﻩُ ﻋَﻠﻰ ﺍﻟﻠّﻪِ ﻭَﻛَﺎﻥَ ﺍﻟﻠّﻪُ ﻏَﻔُﻮﺭًﺍ ﺭَّﺣِﻴﻤًﺎ ﴾  [14]

           فجمع النبي أصحابه وأخبرهم بشأن ضمرة وقال حديثه الشهير ، الذي هو الحديث الأول في صحيح البخاري والأربعين النووية   : إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ[15].

الطريق الى الله طويل، لايشترط أن تصل إلى آخره، المهم أن تموت وأنت فيه.
العمل مع الله لا يشترط فيه أن تصل للهدف، ولكن يكفيك أن تموت وأنت تعمل وتسير في الطريق إليه مادامت نيتك لله[16]  …فما المسافة التي قطعناها الى الله نصرة لدينه في أفق التجديد الأعطم . التجديد الذي ينتقل بالأمة من الملك الجبرية والفرقة إلى الخلافة والوحدة والقيام بالقسط والشهادة لله في الأرض [17]. و لا عليك إن تحقق في زمانك أو بعدك ، ما دامت نيتك لله .

الوقفة الرابعة : و العاقبة للمتقين .

          تعتبر الهجرة نقطة تحول في تاريخ الانسانية عموما و تاريخ المسلمين على الخصوص ، فقد شكلت بداية التحول من من الاضطهاد الى التمكين . قال سبحانه : ﴿ الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)[18] . , وعَنْ سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً ؟ قَالَ : الأَنْبِيَاءُ , ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ , فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ , فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ , وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ , فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ . [19]

      فبعد سنوات من الاضطهاد والابتلاء قضاها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة يهيأ الله تعالى لهم طيبة الطيبة ، ويقذف الإيمان في قلوب الأنصار ، ليبدأ مسلسل النصر والتمكين لأهل الصبر واليقين , قال تعالى : ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ[20] . و هي بشارة خالدة الى يوم الدين لكل من سار و اقتدى ، في أفق البشارة و الموعود الإلهي ، قال سبحانه : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[21] . و لعل ما يلاقيه المسلمون حاضرا في كل بقاع العالم ، أفرادا و جماعات و دولا ، بشارة بتمكين قادم لا محالة ، و خلافة ثانية يرضى عنها ساكن الارض و السماء .

الوقفة الخامسة : الهجرة زكاة.

           دأبا أجدادنا رحمهم الله أجمعين أن يجعلوا مطلع السنة الهجرية بداية حولهم ، فاقترن شهر محرم بإخراج الزكاة ، طهرة لنفس الإنسان من الأنانية والبخل والحرص، لشعور الإنسان بأن المال الذي يحصل عليه ملك له وحده، وتحت سيطرته وتصرفه هو فقط، وإعطاؤه للزكاة تشذيب وتعديل لهذه المشاعر والأحاسيس، لذلك يقول تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا[22]. غير أن الزكاة لا تقتصر على الأموال ، فلكل شيء زكاة . فكل واحد ملزم بزكاة ما يملك من مال أو وقت أوجهد أو علم … فبقدر البذل يكون النماء و الزيادة . كما أن البذل  شرط التمكين ، و علامة صدق المرء في سلوكه و دعوته ببذل المال و النفس . لذلك اقترنا في القرآن، ولذلك يسبق ذكر الجهاد بالمال ذكر الجهاد بالنفس. المال عصب الجهاد وشرطه. فالمؤمن يبرهن على صدق نيته في إنجاح القضية المقدسة ببذله ماله. فلا نعرف صدقه إلا من خلال بذله ماله وجهده. وما في القلوب يعلمه الله. [23]

 

 

و الله عالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون

 

[1] . للاشارة فإن الهجرة كحدث تاريخي وقعت في شهر ربيع الأول ، لكن اعتمد المسلمون شهر محرم لبداية الينة الهجرية.

[2] . سورة السجدة الاية 12.

[3] . أخرج الحاكم في المستدرك و قال حديث صحيح على شرط الشيخين

[4] .  أخرجه البخاري في كتاب الرقائق ، باب في الأمل و طوله.

[5] .  سورة ابراهيم الاية 6 .

[6] . رواه التِّرْمِذيُّ وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ.  

[7] . سورة مريم  الاية 95

[8] . سورة التحريم الاية 6

[9]  .سورة هود 117.

[10] . أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم .

[11]  . أخرج الطبراني في الكبير وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج.

[12] . أخرجه الشيخان .

[13] .  اورد المفسرون القصة في تفسير قوله تعالى : ﻭَﻣَﻦ ﻳَﺨْﺮُﺝْ ﻣِﻦ ﺑَﻴْﺘِﻪِ ﻣُﻬَﺎﺟِﺮًﺍ ﺇِﻟَﻰ ﺍﻟﻠّﻪِ ﻭَﺭَﺳُﻮﻟِﻪِ ﺛُﻢَّ ﻳُﺪْﺭِﻛْﻪُ ﺍﻟْﻤَﻮْﺕُ ﻓَﻘَﺪْ ﻭَﻗَﻊَ ﺃَﺟْﺮُﻩُ ﻋَﻠﻰ ﺍﻟﻠّﻪِ ﻭَﻛَﺎﻥَ ﺍﻟﻠّﻪُ ﻏَﻔُﻮﺭًﺍ ﺭَّﺣِﻴﻤًﺎ

[14] . سورة النساء الاية 100 .

[15] . أخرجه البخاري و أصحاب السنن و غيرهم .

[16] .  اقتباس من تدوينة للدكتور عمر أمكاسو.

[17] . مجلة الجماعة ، العدد 5 ، ص 51.

[18] . سورة العنكنوت ، الآيات 1،2،3 .

[19] .  رواه الترمذي في السنن .

[20] . سورة غافر ، الايتان 51-52.

[21] . سورة النور ، الأية 55.

[22] .سورة التوبة ، الأية 103.

[23] . عبد السلام ياسين ، مجلة الجماعة، العدد 11،ص 20 .

The post وقفات مع السنة الهجرية appeared first on منار الإسلام.



from منار الإسلام https://ift.tt/2ZK5YI3
via IFTTT