
Thursday, June 20, 2019
الرئيس الشهيد: محمد مرسي صخرة الفضح

Wednesday, June 19, 2019
هناك في منعطف التاريخ ينتظرنا القدر
و أنا أمارس حرفة التفكر والنظر، ساقتني بنات أفكاري إلى مَعبَرٍ من الفرضيات وأنا أستحضر أخبار الوحي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشرىفة، فنادتني، يا هذا! هَبْ أنك خُلِقتَ في هذا العالم:
✓ فلم تعاين فيه مستكبرين ينتمون إلى الفرعونية المستعلية، ومستكبرين ينحدرون من القارونية المالية، ومستكبرين ينسلون من النمرودية الطاغوتية، ومنهم من تلاقحت فيهم كل ألوان الاستكبار.
✓ ولم تشهد المفسدين ينشرون الرذيلة والفاحشة من ربا وزنا ولواط وسحاق، يدافعون عنها ويَدْعُونَ لإشاعتها بين الناس، ويحاربون كل متطهر عفيف…
✓ ولم تر حفنة من اليهود الصهاينة قد استولوا على الأرض المباركة بحبل من الغرب الصليبي المتصهين.
✓ ولم تتجرع ألم الأمم وهي تداعى على الأمة الإسلامية كما تداعى الأكلة على قصعتها.
✓ ولم تتابع عبر التاريخ ذهاب خلافة العدل والشورى والحرية في زمن قصير لم يتعد الثلاثين سنة، ليحل محلها حكم العض والجبر الديكتاتوري المستبد المتسلط…
✓ ولم تجد من يَفْجُرُ أمام الله إلحادا وكفرا بيوم القيامة!
✓ ولم تَرقُبْ عينك مستضعفي العالم يئنون تحت وطأة المستكبرين تفقيرا، وتقتيلا، واستعبادا…
✓ ولم تعش أياما مدلهمات كثر فيها الهَرْجُ، وأصبح فيها الصادق كاذبا والكاذب صادقا، والأمين خائنا والخائن أمينا…
✓ ولم تجد لايهودا ولا نصارى، ولا منافقين ولا صادقين، ولا مشركين ولا موحدين، ولا دهريين ولا مؤمنين، ولا مكذبين ولا صادقين…
هب أنك لم تجد هذا ولا غيره مما قَرَأْتَهُ في الوحي، لا في حياتك ولا في واقعك، ألا يكون ذلك مدعاة لتكذيبه واستخرافه! ثم ألا يمثل حضور صور هذه الإخبارات في الواقع المعيش دليلا معجزا على وحي نزل منذ 15 قرنا؟ مدة كانت كافية لمحو أقصى ما يمكن أن يصل إليه المتخيل الانساني أيا كانت عبقريته، فيصبح المخطوط متجاوزا بقوة الواقع.
ثم أليس تَحَقُّقُ الكثير من الإخبارات مدعاة لتصديق ما تبقى منها، وأن سنن الله ماضية في الكون، وأن الإنسان هو أهم عنصر في معادلة تنزيلها، تتفاعل معه جدلا صلاحا وفسادا،
مصداقا لقول الحق سبحانه: “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” [الرعد:11]. “إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ” [يونس:81]. “وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ” [القصص: 5].
ما أحوجنا إلى قوة اليقين في هذا العالم الموار الذي طغى فيه الباطل، وتفشى فيه الظلم، يقين محفز إلى الفعل والحركة، يقين يبدد كل ظلام او ضباب يحجب عنا أعظم وأجَلَّ إخبار غيبي منتظر يتمثل في زوال حكم المستكبرين، وعودة الرشد لعالم السياسة بعودة قيم العدل والإحسان والشورى والحرية. موعود لم تخص به النبوة أهل الإسلام، بل عممته على أهل الأرض بشرا وشجرا وحجرا…
موعود يتطلب إرادة وهبة وقومة جماعية في وجه الظلم والفساد ترقى لسمو الغايات، ورفعة المقاصد، ونبل الأهداف.
موعود ويقين ينقلنا من ذهنية الانتظار والاستسلام للواقع، إلى الفعل في التاريخ وتغيير مسار التاريخ في اتجاه منعطف التحرر والانعتاق، بأيدينا فقط نُنَزِّل قضاء الله ليصبح قدرا مقدورا.
The post هناك في منعطف التاريخ ينتظرنا القدر appeared first on منار الإسلام.
from منار الإسلام http://bit.ly/2WMGyYV
via IFTTT
هناك في منعطف التاريخ ينتظرنا القدر

Monday, June 17, 2019
المقاصد الشرعية الخاصة بالعمل التطوعي عند الطاهر بن عاشور.
يعد الإمام الطاهر بن عاشور بحق من علماء الأمة الإسلامية الذين تركوا لنا تراثا ضخما، والرجل ــ رحمه الله ــ موسوعي بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فهو فقيه أصولي، ومفسر مقاصدي، وأديب لغوي.
وسأحاول في هذا البحث المتواضع أن أسلط الضوء على مفهوم العمل التطوعي الخيري عند الإمام، وبعض قواعد المقاصد الشرعية الخاصة به، وذلك نظرا لأهمية العمل التطوعي في واقعنا المعاصر باعتباره أصبح يشكل لبنة أساسية لبناء المجتمع القوي والمتماسك.
فما هو مفهوم العمل التطوعي عند الطاهر بن عاشور؟ وما هي قواعد المقاصد الشرعية الخاصة به عنده؟
أولا: مفهوم العمل التطوعي عند الطاهر بن عاشور.
عرف العلامة الطاهر بن عاشور الأعمال التطوعية من خلال تعريفه للتبرع بأنه: هو المعطى من مال أو جهد على أساس المواساة بين أفراد الأمة الخادمة لمعنى الأخوة فهي مصلحة حاجية جليلة وأثر خلقي إسلامي جميل بها حصلت مساعفة المعوزين وإغناء المفتقرين وإقامة الجم[1].
والمقصود بها التمليك والإغناء وإقامة المصالح المهمة الكائنة في الغالب بأموال يتنافس في مثلها المتنافسون ومثل الطاهر بن عاشور ــ رحمه الله ــ لذلك بالحُبس والعمرى والوصية والعتق سواء أكانت لأشخاص معينين أم لأصحاب أوصاف مقصودة بالنفع أو مصالح عامة[2].
فالعمل التطوعي عند الطاهر بن عاشور هو عمل إحساني وخلق إسلامي جميل يقوم به فرد أو جماعة من الأفراد بهدف خدمة المصالح العامة من قبل إسعاف المعوزين وإغناء المفتقرين من أجل بناء مجتمع يقوم على أساس المواساة والأخوة والمحبة بين أفراده.
ثانيا: المقاصد الشرعية الخاصة بالعمل التطوعي عند الطاهر بن عاشور.
المقصد الأول: التكثير من التبرعات والعمل التطوعي.
اعتبر الطاهر بن عاشور أن التكثير من التبرعات والأعمال التطوعية من أعظم المقاصد التي جاءت بها الشريعة لما فيها من المصالح العامة والخاصة[3]، ولما كان شح النفوس حائلا دون تحصيل كثير منها، دلت أدلة الشريعة على الترغيب فيها، فجعلت التصرفات المتعلقة بها من الأعمال التي لا ينقطع ثوابها بعد الموت فقد جاء في الحديث الصحيح: “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له”[4]، كما دلت دلائل الشريعة المتساندة على أن مسلك تكثير التبرعات والأعمال التطوعية أمر مطلوب في الأمة شرعا فهذه الصدقات الجارية والأوقاف المتتالية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ومن أصحابه كثيرة منها: صدقة عمر وقد أشار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم[5]، وكذلك صدقة الأنصاري فإنها كانت بإشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم[6]، ومنها صدقة عثمان بن عفان رضي الله عنه ببئر رومة حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين”[7] فاشتراها عثمان وتصدق بها على المسلمين، وعن ابن عباس “أن سعد بن عبادة رضي الله عنه: توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله توفيت أمي وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدقت به عليها؟ قال: نعم قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف[8] صدقة عليها”[9]، وعلق ابن عاشور على هذه النصوص قائلا: وكانت هذه التصرفات أوقافا ينتفع المسلمون بثمرتها على تفصيل في شروطها، فلا شبهة في أن من مقاصد الشريعة إكثار هذه العقود، ولهذا المعنى أنكر مالك على القاضي شريح مقالته بحظر التحبيس وقال: “رحم الله شريحا تكلم ببغداد ولم يرد المدينة فيرى آثار الأكابر من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين بعدهم وما حبسوا من أموالهم، وهذه صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع حوائط، وينبغي للمرء أن لا يتكلم إلا فيما أحاط به خبرا”[10]
المقصد الثاني: أن تكون صادرة عن طيب نفس لا يخالجه تردد.
اعتبر الطاهر بن عاشور أن من مقاصد الشريعة في مجال التبرعات والأعمال التطوعية أن تكون صادرة عن طيب نفس لا يخالجه تردد؛ لأنها من المعروف والسخاء[11]، لأن الأصل في أموال الماي احترامها، فلا يحل لأحد مال غيره إلا عن طيب نفس منه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه”[12]، ولما كانت هذه التبرعات هي إخراج جزء من المال المحبوب بدون عوض يخلفه، إلا ابتغاء القربى من الله وتحصيل الثواب الجزيل، كان لزاما أن تصدر عن أصحابها صدوراً من شأنه أن لا يعقبه ندامة، حتى لا ينجر ضر للمحسن من جراء إحسانه فيحذر الناس فعل المعروف إذ لا ينبغي أن يأتي الخير بالشر، كما أشار إليه قوله تعالى:( لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾[13]، وقد نبه الشيخ الطاهر بن عاشور إلى أن طيب النفس المقصود في التبرعات أخص من طيب النفس المقرر في المعاوضات، ومعنى ذلك أن تكون مهلة لزوم عقد التبرع العزم عليه وإنشائه، أوسع من مهلة انعقاد عقود المعاوضات ولزومها[14]، وفي هذا الصدد ساق الطاهر بن عاشور دليلا يدلل على كلامه هذا قائلا: وقد علمنا ذلك من أدلة في السنة ومن كلام علماء الامة ففي الحديث الصحيح ” أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر ولا تترك حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا”[15]، وهذه الحالة تقتضي التأمل والعزم دون تردد إلى وقت المضيق، ويتحقق حصول مهلة النظر بأحد أمرين هما التحويز والإشهاد[16].
وقد كان اشتراط الحوز في التبرعات ناظراً إلى هذا المقصد بحيث لا يعتبر انعقاد التبرع إلا بعد التحويز دون عقود المعاوضات، ولذلك كان حدوث مرض الموت قبل تحويز العطية مفيتاً لها وناقلا إياها إلى حكم الوصية، فقد في الموطأ عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقاً من ماله بالغابة فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بنية ما من الناس أحب إليّ غنى بعدي منك ولا أعز عَلَيَّ فقراً منك. وإني كنت نحلتك جاد[17] عشرين وسقاً فلو كنت جددتيه واحتزيتيه كان لك وإنما هو اليوم مال وارث فاقتسموه على كتاب الله”[18].
وأما الإشهاد بالعطية فهو قائم مقام الحوز في أصل الانعقاد، وبذلك قال مالك، ويرى أن ابن عاشور أن مالكا قد أخذ هذا المعنى من حديث النعمان بن بشير، حيث جاء في الصحيحين: أن النعمان بن البشير قال: إن أباه بشيراً أعطاه عطية فقالت أمه عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله قال: “أأعطيت سائر ولدك مثل هذا”؟ قال: لا، قال: “فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم” قال: فرجع فردّ عطيته[19]. يقول الطاهر بن عاشور: فهو دليل بين على أنها اعتبرت غير منعقدة قبل الإشهاد، ودليل بين على أن الإشهاد في العطايا كان من المتعارف عليه عندهم، فلذلك شرطت عمرة أن يكون الإشهاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم[20].
ومن المعلوم أن المتبرع قد يخشى تأخر الحوز فهو يعمد إلى الإشهاد ثم يتبعه بالحوز، وهذا عند المالكية كاف في تحقق التبرع، فيصير المتبرع عليه مالكا لما تبرع به المتبرع، وله الحق المطالبة بالتحويز عنهم[21].
وقد قال كثير من أهل العلم ومنهم الشافعي وأبو حنيفة: إن الحوز شرط صحة انعقاد التبرع بحيث لا يلزم الوفاء بالتبرع إذا لم يحصل الحوز في هذا توسعة على فاعل المعروف حتى تنجيزه إلى قوله، بل الحنفية ذهبوا أبعد من ذلك عندما قالوا بجواز الرجوع في الهبة بعد الحوز إلا في سبع صور وهو من هذا القبيل[22].
ويرى ابن عاشور أن جعل اعتصار الهبة حق للأب من ابنه إلا ناظرا إلى تدارك سرعة الآباء إلى عقد التبرعات لأبنائهم دون مزيد التأمل، بداعي الرأفة وتيقن أن مال ولده مال له، فإذا عرضت ندامة جعل له الشرع مندوحة الرجوع في هبته، وهو مع ذلك فيه إبقاء لمعنى حق الأبوة، بأن يكون الابن سببا في التضييق على أبيه[23].
قال البخاري في صحيحه: “قال مالك: العرية أن يعري الرجلُ الرجُلَ النخلة ثم يتأذى بدخوله عليه فرخص له أن يشتريها منه بتمر”[24] وعلق بان عاشور على كلام الإمام البخاري فقال: وهكذا فهمنا أن الشريعة حريصة على دفع الأذى عن المحسن أن ينجر له من إحسانه، لكيلا يكره الناس فعل المعروف[25].
وعلاقة بما ذهب إليه البخاري قال ابن راشد: “إعارة المتاع من عمل المعروف وأخلاق المؤمنين فينبغي للناس أن يتوارثوا ذلك فيما بينهم ويتعاملوا به، ولا يشحوا به ويمنعوه، ومن منع ذلك وشح به فلا إثم عليه ولا حرج، إلا أنه قد رغب عن مكارم الأخلاق ومحمودها واختار لئيمها ومذمومها، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه”[26]“[27]
المقصد الثالث: التوسع في الوسائل المفضية إليها.
من قواعد المقاصد الشرعية الخاصة بالأعمال التطوعية عند الإمام الطاهر بن عاشور التوسع في وسائل انعقادها حسب رغبة المتبرعين خدمة لمقصد تكثيرها. وعلل الطاهر بن عاشور وجه هذا المقصد بأن التبرع بالمال عزيز على النفس[28]، والباعث عليه أريحية دينية ودافع خلقي عظيم. وهو مع ذلك لم يسلم من مجاذبة شح النفوس تلك الأريحية، وأقواها وأخطرها ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾[29]. وإذا كانت الشريعة رغبت في التبرعات والأعمال التطوعية كما بينا في المقصد الأول، ففي التوسع في كيفيات انعقادها خدمة للمقصد الأول.
وانسجاما مع هذا أباحت الشريعة تعليق العطية على حصول موت المعطي بالوصية وبالتدبير، مع أن ذلك منافٍ لأصل التصرف في المال؛ لأن المرء إنما يتصرف في ماله مدة حياته[30]. ومن أجل ذلك أعملت شروط المتبرعين في مصارف تبرعاتهم من تعميم وتخصيص وتأجيل تأبيد وسائر الشروط ما لم تكن منافية لمقصد أعلى؛ فإن الجمع بين المقاصد هو غرض التشريع[31]. ولهذا علق نظار المالكية شروط المتبرعين في الحبس والهبة والصدقة بالإمضاء، مثل اشتراط الاعتصار في الصدقة والهبة، واشتراط المتصدق أو الواهب أن لا يبيع ولا يهب[32].
المقصد الرابع: أن لا يكون العمل التطوعي وسيلة لإضاعة مال الغير.
اعتبر الطاهر بن عاشور أن من مقاصد الشريعة من التبرع والعمل الخيري التطوعي أن لا يُجعل ذريعة إلى إضاعة مال الغير من حق وارث أو دائن. وهذا من فعل الجاهلية، حيث كانت الوصايا في الجاهلية قائمة مقام المواريث، وكانوا يميلون بها إلى حرمان قراباتهم وإعطائها كبراء القوم لحب المحمدة والسمعة[33]. وفي السياق نفسه قال القاضي إسماعيل ابن إسحاق: “لم يكن أهل الجاهلية يعطون الزوجة مثل ما نعطيها، ولا يعطون البنات ما نعطيهم، وربما لم تكن لهم مواريث معلومة يعملون عليها”. ولما امر الله بالوصية للوالدين والأقربين وشرع المواريث كان خيال الوصية الجاهلية لم يزل يتردد في نفوسهم ولأجل هذا قصرت الوصية على غير الوارث وجعلت في خاصة الثلث. وهذا ما يؤكده حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: “الثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس”. وقول أبي بكر لعائشة كما مضى سابقاً: “وإنما هو الآن مال وارث”. وعلق الطاهر بن عاشور على هذا قائلا: “فعلمنا أن كثيراً من الناس يجعلون الوصية والتبرع وسيلة إلى تغيير المواريث أو رزية لمال دائن، ظناً أن ذلك يحللهم من إثمها؛ لأنهم غيروا معروفا بمعروف.
ومن هذا المنطلق أُبطل الحبس المجعول فيه التحبيس على البنين دون البنات عند مالك؛ لأنه من فعل الجاهلية وإن كان المعمول به بين علماء المالكية مضيه بكراهة أو حرمة أخذاً برواية المغيرة عن مالك[34].
وانسجاما مع هذا مُنع المريض مرضاً مخوفاً من التبرع ولم يمنع من المعاوضة بالبيع ونحوه؛ لأن في البيع أخذ عوض بخلاف التبرع فالتهمة في تبرع المرض قائمة[35].
وفي الختام يمكن أن نقول إن العمل التطوعي عند الطاهر بن عاشور مقصد عام من مقاصد الشريعة الإسلامية، ومن خلال استقراءه للأدلة الشرعية كشف لنا عن أهم قواعد مقاصد الشرعية الخاصة بالتبرعات والعمل التطوعي منها: الإكثار من أعمال الخير والتنويع في تصرفاتها، لما فيها من إقامة مصالح المسلمين العامة والخاصة، واستفادة المتبرعين من ثوابها حتى بعد موتهم. ومنها أن تخرج من أيدي أصحابها عن طيب نفس لا يخالجه تردد، ومنها أيضا التوسع في الوسائل المفضية إليها خدمة لمقصد تكثيرها، وألا يكون إقامة العمل التطوعي وسيلة لإضاعة مال الغير، أو حرمانه من حقه.
[1] ــ مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون (تونس)، 1427هــ /2006م، ص 187.
[2] ــ المرجع نفسه، ص 187.
[3] ــ مرجع سابق ص 188.
[4] ــ رواه مسلم: كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان بعد وفاته، حديث رقم 1631.
[5] ــ رواه البخاري: كتاب الوصايا، باب الوقف كيف يكتب: 2/ رقم الحديث: 2772. ــ مسلم: كتاب الوصية، باب الوقف: حديث رقم: 1632.
[6] ــ رواه البخاري: كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب: 2/ رقم الحديث: 1461. ــ مسلم: كتاب الزكاة، باب فضل الزكاة والصدقة على الأقربين: رقد الحديث: 998.
[7] ــ رواه البخاري: كتاب المساقاة، باب في الشرب ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة: 2/ رقم الحديث: 2351.
[8] ــ المخراف؛ بكسر أوله وسكون المعجمه وآخره فاء أي: المكان المثمر، سمي بذلك لما يخرف منه أي يجني من الثمرة، وتقول شجرة مخراف أو مثمار، قاله الخطابي ــ انظر: فتح الباري: ابن حجر العسقلاني، 6/ 326.
[9] ــ رواه البخاري: كتاب الوصايا، باب إذا قال: أرضي أو بستاني صدقة لله عن أمي فهو جائز، وإن لم يبين لمن ذلك، 2/ رقم الحديث: 2756.
[10] ــ مقاصد الشريعة: الطاهر بن عاشور: 188
[11] ــ نفس المرجع والصفحة.
[12] ــ أخرجه مسلم: كتاب الإيمان: باب “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله”. رقم الحديث:
[13] ــ سورة البقرة الآية 233.
[14] ــ مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور: 189
[15] ــ رواه مسلم: كتاب الزكاة، باب أن فضل الصدقة، صدقة الصحيح الشحيح، رقم الحديث: 1032.
[16] ــ مقاصد الشريعة: للطاهر بن عاشور: 189.
[17] ــ جاد: بجيم ودال مهملة مشددة اسم فاعل بمعنى اسم مفعول أي: مجدود أي: مقطوع. مقاصد الشريعة: الطاهر بن عاشور: 189.
[18] ــ الموطأ: كتاب الأقضية، باب ما لا يجوز من النحل، رقم الحديث: 40 ـ 42/ 656.
[19] ــ الموطأ: كتاب الأقضية: باب ما لا يجوز من النحل، رقم الحديث: 3/ 656 ــ مسلم : كتاب الهبات: باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة، رقم الحديث: 1623/ 807.
[20] ــ مقاصد الشريعة: الطاهر بن عاشور: 189 ــ 190.
[21] ــ نفس المرجع: 190.
[22] ــ مقاصد الشريعة: للطاهر بن عاشور: 190.
[23] ــ نفس المرجع: 190.
[24] ــ البخاري: كتاب البيوع: باب تفسير العرية: 2/ 646.
[25] ــ مقاصد الشريعة: 190.
[26] ــ سبق تخريجه.
[27] ــ المقدمات الممهدات: ابن راشد الجد ت: الدكتور محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، ط /1، 1408هـ/ 1988/، 2/ 469.
[28] ــ مقاصد الشريعة: 190.
[29] ــ سورة البقرة: الآية 268.
[30] ــ مقاصد الشريعة: الطاهر بن عاشور: 191.
[31] ــ نفس المرجع: 191.
[32] ــ نفس المرجع: 191.
[33] ــ نفس المرجع: 191.
[34]ــ مقاصد الشريعة: 192.
[35]ــ نفس المرجع: 192
The post المقاصد الشرعية الخاصة بالعمل التطوعي عند الطاهر بن عاشور. appeared first on منار الإسلام.
from منار الإسلام http://bit.ly/2XVRBjW
via IFTTT
المقاصد الشرعية الخاصة بالعمل التطوعي عند الطاهر بن عاشور.

Saturday, June 15, 2019
تطور الفقه الاسلامي عند جولد تسيهر من خلال كتاب العقيدة والشريعة
مقدمة
يعتبر الفقه الإسلامي جزء لا يتجزأ من تاريخ الحضارة الإسلامية، إذ هو فقه عام جامع للمصالح الدينية والاجتماعية والأخلاقية حيث نظم العلاقة بين العبد وربه وبين الناس بعضهم البعض، فهو تام الأحكام لم يدع شاذة ولا فاذة، هذا العلم المتصل بالحياة والذي لم يتوقف البحث فيه والتأليف فيه عبر القرون.
قال محمد بن الحسن بن العربيّ، في كتابه الفِكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي:
” فالأمة الإسلامية لا حياة لها بدون الفقه، ولا رابطة ولا جامعة تجمعها سوى رابطة الفقه وعقائد الإسلام، ولا تتعصَّب لأي جنسية، فهي دائمة بدوام الفقه، مضمحِلة باضمحلاله، فمَهْما وُجِد أهل الفقه واتُّبِعوا كانت الأمة الإسلامية، ومهما انعدم الفقه والفقهاء، لم يبق للأمة اسم الإسلام، ويجب على كل أمة إسلامية أرادت سنَّ قانون أو دستور أن تراعي هذا المبدأ حفظًا للجامعة الإسلامية “[1]
والفقه الإسلامي نشأ وترعرع منذ عصر صدر الإسلام الأول على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكبار التابعين والطبقة التي تليهم، على عكس ما يرى بعض المستشرقين من أن الفقه الإسلامي نشأ من غير أسس وقواعد وأنه لم يكن موجودا أصلا وإنما نشأ من مرحلة لاحقة على نبع الإسلام الأول، ومن بين هؤلاء المستشرقين الذين أجهدوا أنفسهم في محاولة دراسة الفقه الإسلامي، المستشرق جولد تسيهر من خلال كتابه العقيدة والشريعة، وهو من أعمدة المستشرقين ودعاتهم.
منهج البحث
المنهج سيكون عبارة عن منهج استقرائي وذلك باستقراء ما كتبه المستشرق جولد تسيهر عن الفقه الإسلامي ثم المنهج النقدي وذلك بنقد ما في هذه الافكار من مغالطات وتناقضات أثارت العلماء للرد عليها.
إشكالية البحث
الوقوف على أهم الأفكار والنقط التي أثارها المستشرق بخصوص تطور الفقه الإسلامي والعمل على رد عليها بردود لبعض العلماء المسلمين.
خطة البحث
يتكون البحث من مقدمة تشكلت من تمهيد ومنهج للبحث وإشكالياته ثم مبحثين وخاتمة
المبحث الأول : التعريف بجولد تسيهر وكتابه العقيدة والشريعة
المبحث الثاني :أهم آراء جولد تسيهر حول تطور الفقه الإسلامي وأهم الردود عليها
المبحث الأول : التعريف بجولد تسيهر وكتابه العقيدة والشريعة
سنتحدث في هذا المطلب عن حياة جولد تسيهر ونشأته ثم بعد ذلك سنلقي نظرة على كتابه وأقسامه.
المطلب الأول : حياة جولد تسيهر ونشأته
هوأجناس جولد تسيهر أو زيهر مستشرق يهودي مجري، ولد في سنة 1850م في بلاد المجر وهلك فيها عام1921م، ويعتبر من أبرز محرري دائرة المعارف الإسلامية[2]، قضى جولد تسهير السنين الأولى من عمره في بودابست وهي عاصمة المجر، ومن ذهب إلى برلين سنة 1869م فظل بها سنة ثم انتقل بعدها إلى جامعة ليبتسك وفيها كان أستاذه في الدراسات الشرقية فليشر وهو أحد المستشرقين في ذلك الوقت، وعلى يديه حصل جولد تسيهر على الدكتوراه الأولى سنة 1870م وكانت رسالته عن عالم يهودي في العصور الوسطى شرح التوراة.
وبعد ذلك عاد إلى بودابست فعين مدرسا في جامعتها 1872م، لكنه لم يستمر في التدريس مدة طويلة لإرساله في بعثة دراسية من طرف وزارة المعارف المجرية إلى الخارج، فاشتغل طوال سنة في فينا وفي لندن، وارتحل بعدها إلى الشرق، حيث أقام في القاهرة مدة من الزمن استطاع أن يحضر بعض الدروس في الأزهر، وكان ذلك بالنسبة إلى أمثاله امتيازا كبيرا ورعاية عظيمة، ورحل إلى سوريا وتعرف على الشيخ طاهر الجزائري وصحبه مدة وانتقل بعدها إلى فلسطين.
وعين أستاذا للغات السامية في سنة 1894م ومنذ ذلك الوقت وهو لا يكاد يغادر وطنه بل ولا مدينة بودابست إلا لكي يشترك في مؤتمرات المستشرقين أو لكي يلقي محاضرات في الجامعات الأجنبية استجابة لدعوتها إياه.
وقد ظل تسيهر في مكتبته في مدينة بودابست أكثر من ربع قرن يقوم بأبحاثه ودراساته في عالم البحوث الإسلامية، فهو الذي فتح الطريق أمام الباحثين الجدد في مجال الاستشراق؛ ولذلك عد من أئمة المستشرقين وأساتذتهم.
ومنذ أن عين في جامعة بودابست وعنايته باللغة العربية عامة والإسلامية الدينية خاصة تنمو وتزداد، ثم بعد ذلك حقق في وطنه شهرة كبيرة جعلته ينتخب عضوا مراسلا للأكاديمية المجرية سنة 1871م، ثم عضوا عاملا في سنة 1872م، ثم رئيسا لأحد أقسامها سنة 1907م[3].
وبالنظر إلى أبحاثه العلمية ومؤلفاته نجدها قد بلغت ما يقارب 582 بحثا في مختلف اهتماماته[4]، ومن بين مؤلفاته كتاب العقيدة والشريعة في الإسلام وهو في أساسه عبارة عن مجموعة من محاضرات عن الإسلام ألقاها أمام اللجنة الأمريكية للمحاضرات في تاريخ الأديان ويتحدث فيه عن الإسلام في مختلف جوانبه، وقد طبع هدا الكتاب عام 1960 ويقع الكتاب في 367 صفحة.
المطلب الثاني: التعريف بالكتاب العقيدة والشريعة
هو في أساسه كان عبارة عن مجموعة محاضرات عن الإسلام ألقاها أمام اللجنة الأمريكية للمحاضرات في تاريخ الأديان ويتحدث فيه عن الإسلام لمختلف جوانبه. طبع عام 1960م، ويقع الكتاب في 367ص مع الحواشي. في ستة أقسام
القسم الأول:فيتحدث أولاً عن محمد والإسلام ويعتبر بأنه لم يأتي بجديد، وأن الإسلام ما هو إلا نوعاً من الأفكار والآراء الهلينستية والتيارات والآراء الهندية والأفلاطونية الجديدة إلى جانب العناصر اليهودية والمسيحية ويتحدث في الفصل الثاني: عن تطور الفقه وأن الإسلام والقرآن لم يتما كل شيء في الشريعة، بل كان الكمال نتيجة لعمل الأجيال اللاحقة، ثم تحدث عن مدى تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني، ثم تكلم عن الحديث وعلمه وطعن في تاريخ تدوين هو يتحدث في الفصل الثالث: عن تطور العقيدة وعلم الكلام وتطور نظرية الجبر والاختيار من القرآن ومدى تأثير الأمويين فيه كما تحدث عن المعتزلة وآراءهم وأنكر صفة الحرية والعقل التي تمتع بها أنصار هذه الفرقة، كما اعتبرها من أهل السنة والجماعة، كما تطرق إلى الأشعري وفكره والاختلاف بينه وبين من حملوا فكره ويتحدث أيضاً عن الماتريدي والسلفية والفلاسفة في الفصل الرابع يتحدث عن الزهد والتصوف ومدى تأثره بالمؤثرات الهندية واليونانية حتى وصل إلى فكرة الحلول ووحدة الوجود وفي الفصل الخامس يتحدث عن الفرق السياسية القديمة من الخوارج والشيعة وأهم الاختلافات مع السنة وتطورها وفي الفصل السادس يتحدث عن الحركات الدينية الأخيرة والمعاصرة من الوهابية والبابية والبهائية والسيخ والأحمدية والمحاولات التي بذلت للوفاق بين السنة والشيعة.[5]
المبحث الثاني : أهم آراء جولد تسيهر حول تطور الفقه الإسلامي وأهم الردود عليها
مجال الدراسات الفقهية لم يحظ إلا بعناية واهتمام قليل من طرف المستشرقين الذين كرسوا حياتهم بدراسة الفقه وتطوره بينما اكتفى آخرون بالنقل عمن سبقوهم والاستفادة من نتائج بحوثهم وذلك للكشف عن مدى صلاحية وأصالة الفقه لحياة المجتمعات الإسلامية.
حيث ذهب بعض المستشرقين إلى القول بأن الفقه الإسلامي أقرب ما يكون إلى الفقه اليهودي، فالمستشرق الفرنسي موسكه[6]G.H.bousquetفي مقالته ” تكون الفقه واصل مصادره عقدة لم تنحل ” انتهى إلى أن هناك علاقة بين الفقه والتلمود بقول أن اليهودية لها تأثير عظيم جدا على تكون الإسلام في عصر محمد، حيث يقول” ولقد يمكن أن يكون التلمود وحده قد أثر في الفقه الإسلامي بالنسبة لروحه “[7]وقد زعم البعض الآخر أن الفقه الإسلامي استعان بالقانون الروماني قبل الإسلام – وسنتطرق الى هذه النقطة بالتفصيل في هذا المبحث –وفي هذا يقول شليدون آموس “إن الشرع المحمدي ليس إلا القانون الروماني للإمبراطورية معدلا وفق الأحوال السياسية والممتلكات العربية “[8]
ومن بين المستشرقين الذين آثار مثل هذه الآراء والأفكار نجد كريم وشليدون آموس وفي هذا المبحث سنخصص الكلام عن آراء المستشرق جولد تسيهر حول تطور الفقه الإسلامي وهو قسم مستقل في كتابه العقيدة والشريعة.
مهد جولد تسيهر حديثه عن تطور الفقه بجملة من كلام لأناتول فرانس ” إن من يؤسس دينا لايدري ماذا يفعل ” والذي أفاد بها أن كل مؤسس لدين معين لا يدرك مدى أثر عمله على تاريخ البشرية وهو ما وقع بالضبط لمحمد صلى الله عليه وسلم حسب جولد حيث أنه لم يعلم أن دينه سيعرف هذا الانتشار الواسع وأنه سيقوم بفتوحات في أراضي فسيحة وجديدة ونظرا لعدم علمه عليه الصلاة والسلام بهذا الامتداد للإسلام لم تكن التعاليم والنظم التي وضعها في حياته لتسد الحاجيات والتغيرات التي عرفها الإسلام أثناء فتوحاته ولهذا جاء محمد بأصول فقهية تتسع فقط لزمانه ومكانه لأنه لم يكن على وعي بانتشار دعوته.
يأتي الرد على هذه الشبهة في كون أن الدارس للقرآن والسنة يرى بوضوح عموم الرسالة الإسلامية وخلودها وأن محمد عليه الصلاة والسلام لم يذكر لقومه أنه خاص بهم أو مقصور عليهم، بل إن رسالته للعالمين وأن دعوته للناس أجمعين[9]ومن الشواهد على بطلان افتراء المستشرق قوله صلى الله عليه وسلم ” كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة “[10] كما أن الرسول كان على دراية أن دعوته ستنتشر وأن دينه سيعلو وقد أكد هذه الحقيقة قوله تعالى ” هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون “[11]وكان الصحابة يسمعون من رسولهم تبشيرات بفتح أراضي وبلدان وأن ملك كسرى وقيصر سيتلاشى بين أيديهم حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” والله لتنفقن كنوزهما في سبيل الله “[12]
ويضيف المستشرق أيضا أن الأصول والأسس التي يرتكز عليها الإسلام هي أصول غير ثابتة بل متأرجحة تعدل وتتطور بحسب الواقع المتغير. حيث قال ” كما أنه في الحوادث الكبيرة التي لمس الإسلام بواسطتها دائرة الأفكار الأخرى، فتح المسلمون المفكرون باب التفكير في المسائل الدينية، التي كانت مقفلة إلى ذلك الحين في بلاد العرب، وكذلك كانت في الوقت نفسه تقنن مسائل الحياة العلمية، وأشكال العبادات في أصول ضرورية، تقنينا متأرجحا “[13]
ويأتي الرد على هذا أن هذه الأصول والمبادئ غير قابلة للتعديل والتبديل والتطوير بل يلجأ إليها الفقهاء ليفرعوا منها نظريات فقهية ولا يخرجوا عليها أما أشكال العبادات الأصلية لا اجتهاد فيها.[14]
ويرى أيضا أن الإسلام جاء ناقصا لم يوفر لأتباعه ما يحتاجونه من ركائز توجيهية في أساسيات حياتهم وان التطور اللاحق إنما هو تلصص على تراث وتقاليد الحضارات السابقة أثناء الفتوحات الإسلامية ثم أضاف المسلمون على هذه التقاليد والقوانين صبغة دينية وجعلوها أحاديث شريفة ونسبوها إلى نبيهم وهو بهذا يقول أن الإسلام لا يمت بصلة للإسلام ذو النبع الأول وإنما بدأ تطور الفقه الإسلامي مباشرة بعد وفاة النبي.
يأتي محمد الغزالي في هذا السياق وينكر على المستشرق جولد تسيهر أن يكون هذا التطور بتطور فقهي موضحا أنه لا يعقل أن تكون الشريعة الإسلامية(القرآن الكريم ) من وضع محمد نقلا من غيره من الحضارات السابقة إذ أنه يستحيل استحالة تامة التلاقي والاستمداد حين يكون التكافؤ معدوما بين الطرفين بل حتى كبار العرب والشعراء عجزوا أن يأتوا بآية من القرآن فكيف بنازح أعجمي[15]قال الله تعالى ” ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين “[16]
أما قوله أي المستشرق ” فهناك جمل أخذت من العهد القديم والعهد الجديد وأقوال للربانيين أو مأخوذة من الأناجيل الموضوعة، وتعاليم من الفلسفة اليونانية، وأقوال من حكم الفرس والهنود كل ذلك أخذ مكانه في الإسلام عن طريق الحديث…”[17] أراد به أن يوهم سنة النبي عليه الصلاة والسلام ما هي إلا نقل آداب وحكم وأقاصيص ومواعظ عن أمم وديانات سابقة، كما يدل هذا الكلام بصريح العبارة أن اليهودية مثلا أثرت في الفقه الإسلامي بعقائده وعباداته ومعاملاته وهو ما ينفي استقلالية الفقه الإسلامي ويجعل للثقافة اليهودية فضلا عليه.
ويرد على هذا الزعم الباطل بالوقوف على أمرين مهمين أولهما التفاوت بين التعاليم اليهودية والفقهية الإسلامية، ثانيا عدم وقوف الفقهاء المسلمين في عصر نشأة الفقه وتكون المذاهب على التراث اليهودي وهذا التفاوت واضح وجلي في مختلف المجالات التشريعية من قبل نظام الأسرة ونظام العقوبات.[18]
بعد هذا أخذ جولد تسيهر يستطرد مجموعة من الشبهات حول الحديث النبوي كما جاء في كلامه قائلا[19]” ولا نستطيع أن نعزو الأحاديث الموضوعة للأجيال المتأخرة وحدها، بل هناك أحاديث عليها طابع القدم، وهذه إما قالها الرسول أو هي من عمل رجال الإسلام القدامى…” ثم يقول ” والحق أن كل فكرة وكل حزب وكل صاحب مذهب يستطيع دعم رأيه بهذا الشكل وأن المخالف له في الرأي يسلك أيضا هذا الطريق، ومن ذلك لا يوجد في دائرة العبادات أو العقائد أو القوانين الفقهية أو السياسية مذهب أو مدرسة لا تعزز رأيها بحديث أو جملة أحاديث ظاهرها لا تشوبه شائبة..”
ويفهم من هذه الأقوال لجولد تسيهر حول السنة النبوية أن كثيرا من الأحاديث التي نسبت إلى الرسول إنما هي من تأليف الصحابة والتابعين وهو يريد أن يقول أن الإسلام تطور ونما على يد هؤلاء الرجال الذين وضعوا ألوف الأحاديث التي لم ينطق بها الرسول ليجعلوا من الإسلام دينا شاملا ويؤيد ذلك قوله : ” إن القسم الأعظم من الحديث بمثابة نتيجة لتطور الإسلام الديني والتاريخي والاجتماعي في القرن الأول والثاني فالحديث بالنسبة له لا يعد وثيقة لتاريخ الإسلام في عهده الأول، عهد طفولته وإنما هو أثر من آثار الجهود التي ظهرت في المجتمع الإسلامي “[20]
وفي الرد على هذا نجد أن الواقع والتاريخ يكذب كل هذه المزاعم حيث أن الإسلام بلغ تمامه أيام النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون مجمعون على رفض أي آية إضافية تجيء بعده ويعتبرونها باطلة وهم يعرفون أن في كتاب ربهم وسنة نبيهم الكفاية المطلقة لكل تشريع او فتوى تحتاج إليه العصور[21]ويؤكد ذلك قوله تعالى ” اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا “[22]وقوله تعالى أيضا : ” ما فرطنا في الكتاب من شيء “[23]
وضرب جولد تيسهر مثالا لتطور التفكير الفقهي حيث يقول[24]: ” وسأذكر مثالا واحدا له أهميته لتقدير الأفكار الدينية في الإسلام فحسب، مذهب القرآن في التوحيد يعد الشرك أكبر الذنوب، ولا يغفره الله تعالى وفي تطور هذا التصور الاعتقادي الأول نرى أنه لا يدل على الشرك تشويه العقيدة فقط بل كل ضرب من العبادة يشتم منه أن تمجيد الله غير مقصود لذاته…فالرياء لا يتفق مع التوحيد، وكذلك بعض الذنوب الكبيرة، فهي نوع من الشرك”
أي أن حديث ” الرياء شرك ” لم يقله الرسول، بل هو تطور من صنع الناس، نما به معنى التوحيد الأصلي واتسعت دائرته، وهذا الكلام باطل كله، وقد أسسه على الزعم بأن مذهب القرآن في الشرك يخالف الامتدادات، التي ظهرت بعد في السنة، وأدنى تأمل في حديث القرآن عن الرياء، يكشف عدم صدق هذا الاستنتاج، فالقرآن الكريم قرن الرياء بالكفر في كثير من الآيات[25]ومن ذلك قوله تعالى : ” لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر “[26]
وتعرض جولد تسيهر فيما بعد لمسألة تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني مستنتجا عدم أصالة الفقه الإسلامي واستقلاليته وأن هذا الأخير قد استعان واستفاد من القانون الروماني في تشريعاته وتعاليمه حيث جاء في كلامه : ” وليس غريبا أن تكون هذه التعاليم الفقهية والتفصيلات المستعملة قد تأثرت كذلك بثقافات أجنبية كما أن المعارف الفقهية الإسلامية تحمل على سبيل المثال آثارا غير منكورة من الفقه الروماني، سواء في ذلك من ناحية الطريقة أو من ناحية الأحكام الفرعية “[27]
ويأتي الرد على هذه الشبهة من خلال عدة حقائق، ذلك أن الفقه الإسلامي مستمد من الكتاب والسنة أي أن مصدره الأساسي هو مصدر إلهي على حين يقوم القانون الروماني على تشريع إنساني ثم إن الفقه الإسلامي شامل لما يسمى بالعبادات والمعاملات ولكن القانون الروماني لا يهتم بالمسائل الروحية.[28]
أما من الأدلة التاريخية نجد عدم تعرف علماء المسلمين على القانون الروماني من المدارس و المحاكم الرومانية كما يزعم البعض لأن هذه المدارس قد ألغيت بقرار إمبراطوري سنة 533م وما بقي من هذه المدارس في روما والقسطنطينية لم يكن له تأثير على المسلمين[29] ومن أوجه الاختلاف من الناحية القانونية نجد اعتراف الفقه الإسلامي للذكر متى بلغ راشدا بأهليته الكاملة في حين يرفض القانون الروماني بإعطاء هذه الأهلية مادام الذكر أبواه على قيد الحياة وغير هذه الأدلة كثير.
خاتمة
حاول المستشرق اليهودي جولد تسيهر دراسة الفقه الإسلامي باعتباره تطبيقا حقيقيا للفكر الإسلامي العام، فبحث في تطوره وتاريخيه وتأثيره، ومن اجل ذلك قدم أدلة تسعى إلى نفي أصالة الفقه الإسلامي واستقلاليته، حيث أكد على تأثر الفقه الإسلامي بالتشريعات والديانات السابقة في جل أقواله، مسلطا الضوء على القانون الروماني والديانة اليهودية، كما أخد موقفا من السنة النبوية بكونها ما هي إلا إرث اصطنعته الأجيال التي لحقت صدر الإسلام الأول ثم نسبته إلى الرسول، وقد لقي جراء هذه الآراء ردود لكثير من العلماء المسلمين الذين أثبتوا خطأ هذه المزاعم بأدلة وشواهد تاريخية التي لا ينكرها عاقل.
الفهارس
أولا : لائحة المصادر والمراجع
●القرآن الكريم
●محمد بن الحسن بن العربيّ بن محمد الحجوي الثعالبي الجعفري الفاسي – الفِكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، مطبعة إدارة المعارف بالرباط 1340ه، عدد المجلدات 4.
●المستشرقون، نجيب العقيقي، دار المعارف مصر 1964م، عدد المجلدات 4، عدد الصفحات 1414
●موسوعة المستشرقين، عبد الرحمان بدوي، دار العلم للملايين، الطبعة الثالثة 1993م، عدد المجلدات 1 عدد الصفحات 64
●العقيدة والشريعة في الإسلام، جولد زيهر، نقله إلى العربية، محمد يوسف موسى وآخرون، دار الرائد العربي-بيروت، 1946م.
●الإستشراق والفقه الإسلامي للدكتور محمد الدسوقي، أستاذ مساعد بقسم الفقه والأصول.
●الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري للدكتور محمود حمدي زقزوق، دار المعارف عدد المجلدات 1 عدد الصفحات 162
●محمد الغزالي دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين، الطبعة السابعة 2005م
●السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ذ.مصطفى السباعي، دار الوراق – المكتب الإسلامي 2000م عدد المجلدات 1، عدد الصفحات 523
●الإسلام في مواجهة الغزو الفكري الاستشراقي والتبشيري محمد حسن مهدي بخيت، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع عمان الأردن الطبعة الأولى 2011م.
ثانيا : فهرس المحتويات
| المحتوى | الصفحة |
| مقدمة | 1 |
| منهج البحث | 1 |
| إشكالية البحث | 2 |
| خطة البحث | 2 |
| المبحث الأول : التعريف بجولد تسيهر وكتابه العقيدة والشريعة | 3 |
| المطلب الأول : حياة جولد تسيهر ونشأته | 3 |
| المطلب الثاني : التعريف بالكتاب العقيدة والشريعة | 4 |
| المبحث الثاني : أهم آراء جولد تسيهر حول تطور الفقه الإسلامي وأهم الردود عليها | 5 |
| خاتمة | 12 |
| الفهارس | 13 |
| فهرس المصادر والمراجع | 13 |
| فهرس المحتويات | 14 |
[1]– محمد بن الحسن بن العربيّ بن محمد الحجوي الثعالبي الجعفري الفاسي – الفِكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي. ج1 ص 71
[2]– المستشرقون، نجيب العقيقي الجزء 2 ص 906
[3]– موسوعة المستشرقين، عبد الرحمان بدوي ص189
[4]– المستشرقون، نجيب العقيقي جزء2 ص 906
[5]-العقيدة والشريعة في الإسلام، جولد زيهر، نقله إلى العربية، محمد يوسف موسى وآخرون، دار الرائد العربي-بيروت،1946م.
[6]– ج،هاء بوسكيه استاذ الحقوق والعمرانيات بالجزائر
[7]– هل للقانون الروماني تأثير على الفقه الإسلامي نقلا من كتاب الإستشراق والفقه الإسلامي للدكتور محمد الدسوقي ص 27
[8]– نقلا من الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري للدكتور محمود حمدي زقزوق ص 113
[9]– محمد الغزالي دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين، الطبعة السابعة 2005م ص 47
[10]– جزء من حديث رواه الشيخان والنسائي عن جابر بن عبدالله
[11]– سورة الصف الآية 9
[12]-رواه الشيخان واحمد عن جابر بن سمرة وأبي هريرة
[13]-العقيدة والشريعة في الإسلام،جولد زيهر،نقله إلى العربية،محمد يوسف موسى وآخرون،دار الرائد العربي-بيروت،1946م.ص44
[14]– حواشي كتاب العقيدة والشريعة لجولد تسيهر في رد عليه ص 44
[15]-محمد الغزالي دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين، الطبعة السابعة 2005م ص56
[16]– سورة النحل الآية 103
[17]-عقيدة والشريعة في الإسلام،جولد زيهر،نقله إلى العربية،محمد يوسف موسى وآخرون،دار الرائد العربي-بيروت،1946م.ص 51
[18]– الاستشراق والفقه الإسلامي للدكتور محمد الدسوقي ص 28
[19]-عقيدة والشريعة في الإسلام،ص49
[20]– السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ذ.مصطفى السباعي ص 19
[21]– الإسلام في مواجهة الغزو الفكري الاستشراقي والتبشيري محمد حسن مهدي بخيت، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع عمان الأردن ط.2011 ص 150
[22]– المائدة الآية 3
[23]– الأنعام الآية 89
[24]– العقيدة والشريعة لجولد تسيهر ص53
[25]– محمد الغزالي دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين، الطبعة السابعة 2005م ص65
[26]– سورة البقرة الآية 264
[27]– العقيدة والشريعة لجولد تسيهر ص56
[28]-الاستشراق والفقه الإسلامي للدكتور محمد الدسوقي ص 21
[29]– الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري للدكتور محمود حمدي زقزوق ص115
The post تطور الفقه الاسلامي عند جولد تسيهر من خلال كتاب العقيدة والشريعة appeared first on منار الإسلام.
from منار الإسلام http://bit.ly/2WI7d9e
via IFTTT
تطور الفقه الاسلامي عند جولد تسيهر من خلال كتاب العقيدة والشريعة
